الشوكاني
529
فتح القدير
النقص ، فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص كما يجوز أن يوفى وهو كامل ، وقيل المراد نصيبهم من الرزق ، وقيل ما هو أعم من الخير والشر ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) أي التوراة ( فاختلف فيه ) أي في شأنه وتفاصيل أحكامه ، فآمن به قوم وكفر به آخرون ، وعمل بأحكامه قوم ، وترك العمل ببعضها آخرون ، فلا يضق صدرك يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن ( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ) أي لولا أن الله سبحانه قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح لقضي بينهم : أي بين قومك ، أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين ، فأثيب المحق وعذب المبطل ، أو الكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك ، وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وآله وسلم . ثم وصفهم بأنهم في شك من الكتاب فقال ( وإنهم لفي شك منه مريب ) أي من القرآن إن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من التوراة إن حمل على قوم موسى عليه السلام ، والمريب : الموقع في الريبة . ثم جمع الأولين والآخرين في حكم توفية العذاب لهم ، أو هو والثواب فقال ( وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ) قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر " وإن " بالتخفيف على أنها إن المخففة من الثقيلة وعملت في كلا النصب ، وقد جوز عملها الخليل وسيبويه ، وقد جوز البصريون تخفيف إن مع إعمالها ، وأنكر ذلك الكسائي وقال : ما أدري على أي شئ قرئ " وإن كلا " ؟ وزعم الفراء أن انتصاب كلا بقوله ليوفينهم ، والتقدير وإن ليوفينهم كلا ، وأنكر ذلك عليه جميع النحويين . وقرأ الباقون بتشديد " إن " ونصبوا بها كلا . وعلى كلا القراءتين فالتنوين في كلا عوض عن المضاف إليه : أي وإن كل المختلفين . وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر " لما " بالتشديد ، وخففها الباقون . قال الزجاج : لام لما لام إن ، وما زائدة مؤكدة ، وقال الفراء : ما بمعنى من كقوله - وإن منكم لمن ليبطئن - أي وإن كلا لمن ليوفينهم ، وقيل ليست بزائدة بل هي اسم دخلت عليها لام التوكيد ، والتقدير : وإن كلا لمن خلق . قيل وهي مركبة ، وأصلها لمن ما ، فقلبت النون ميما واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى حكى ذلك النحاس عن النحويين . وزيف الزجاج هذا وقال : من اسم على حرفين فلا يجوز حذف النون . وذهب بعض النحويين إلى أن لما هذه بمعنى إلا ، ومنه قوله تعالى - إن كل نفس لما عليها حافظ - وقال المازني : الأصل لما المخففة ثم ثقلت . قال الزجاج : وهذا خطأ ، إنما يخفف المثقل ولا يثقل المخفف . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : يجوز أن يكون التشديد من قولهم لمت الشئ ألمه : إذا جمعته ، ثم بني منه فعلى كما قرئ - ثم أرسلنا رسلنا تترى - وأحسن هذه الأقوال أنها بمعنى إلا الاستثنائية . وقد روى ذلك عن الخليل وسيبويه وجميع البصريين ورجحه الزجاج ويؤيده أن في حرف أبي " وإن كلا إلا ليوفينهم " كما حكاه أبو حاتم عنه . وقرئ بالتنوين : أي جميعا . وقرأ الأعمش " وإن كل لما " بتخفيف إن ورفع كل وتشديد لما ، وتكون إن على هذه القراءة نافية ( إنه بما يعملون ) أيها المختلفون ( خبير ) لا يخفى عليه منه شئ ، والجملة تعليل لما قبلها ، ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه فقال ( فاستقم كما أمرت ) أي كما أمرك الله ، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه ، لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه ، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله ، وأمته أسوته في ذلك ، ولهذا قال ( ومن تاب معك ) أي رجع من الكفر إلى الإسلام وشاركك في الإيمان ، وهو معطوف على الضمير في فاستقم ، لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقام التأكيد : أي وليستقم من تاب معك وما أعظم موقع هذه الآية وأشد أمرها ، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة والذوات المقدسة ، ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " شيبتني هود " كما تقدم ( ولا تطغوا ) الطغيان